الشنقيطي

24

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وَالزَّانِي [ النور : 2 ] بمفهوم الموافقة في قوله : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ [ النساء : 25 ] فإنه يفهم من مفهوم موافقته أن العبد الذكر كالأمة في ذلك يجلد خمسين ، فيبين هذا المفهوم أن المراد بالزاني خصوص الحر . واعلم أن مثل هذا من مفهوم الموافقة يسميه الشافعي وبعض الأصوليين قياسا ، وهو المعروف عندهم بالقياس في معنى الأصل ، ويسمى مفهوم الموافقة ، وإلغاء الفارق ، وتنقيح المناط ، وأكثر أهل الأصول على أنه مفهوم وليس بقياس ، كما سترى تحقيقه في مواضع من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى . ومن أمثلة بيان المنطوق بالمفهوم قوله في الخمر : رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [ المائدة : 90 ] ، فإنه يدل على أنها نجسة العين ؛ لأن الرجس هو المستقذر الخبيث ، ويدل له مفهوم قوله في شراب الآخرة : وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ( 21 ) [ الإنسان : 21 ] ؛ فإن مفهومه أن خمر أهل الدنيا ليست كذلك كما قاله الفراء وغير واحد ، وسترى إيضاحه في المائدة إن شاء اللّه تعالى . الرابعة : بيان مفهوم بمفهوم ومثاله قوله تعالى : يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ( 21 ) [ المائدة : 21 ] على القول بأن المراد بالمحصنات الحرائر ، كما روي عن مجاهد ، فإنه يدل بمفهومه على أن الأمة الكتابية لا يجوز نكاحها ، ويدل لهذا أيضا مفهوم قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ [ النساء : 25 ] ، فمفهوم قوله المؤمنات يدل على منع تزويج الإماء الكافرات ولو عند الضرورة ، وهو بيان مفهوم بمفهوم كما ترى . واعلم - وفقني اللّه وإياك لما يحبه ويرضاه - أن هذا الكتاب المبارك تضمن أنواعا كثيرة جدا من بيان القرآن بالقرآن غير ما ذكرنا ، تركنا ذكر غير هذا منها خوف إطالة الترجمة ، والمقصود بما ذكرنا من الأمثلة مطلق بيان كثرة الأنواع التي تضمنها واختلاف جهاتها - وفي البعض تنبيه لطيف على الكل - والغرض أن يكون الناظر في الترجمة على بصيرة مما يتضمنه الكتاب في الجملة قبل الوقوف على جميع ما فيه . مقدمة في تعريف الإجمال والبيان في اصطلاح أهل الأصول اعلم أولا أن المجمل في اللغة : هو المجموع ، وجملة الشيء مجموعه ، وأما في الاصطلاح فقد اختلفت فيه عبارات أهل الأصول ، والتحقيق : أنه هو ما احتمل معنيين أو أكثر من غير ترجح لواحد منهما أو منها على غيره ، وعرّفه في مراقي السعود بقوله : وذو وضوح محكم والمجمل * هو الذي المراد منه يجهل